القاضي التنوخي
151
الفرج بعد الشدة
ففتحتها ، ودخلت ، ورددتها كما كانت ، وقمت في الدّكان ، ليجوز الطّائف وأخرج . وبلغ الطّائف الموضع ، فرأى الشريجة مشوّشة ، فقال : فتّشوا هذه الدّكان . فدخلت الرجّالة بمشعل « 9 » ، رأيت في ضوئه رجلا في أرض الدكّان مذبوحا ، على صدره سكّين ، فجزعت . فرأى الرّجالة ذلك الرّجل ، ورأوني قائما ، فلم يشكّوا في أنّي القاتل . فأخذني صاحب الشرطة فحبسني ، ثمّ عرضت فضربت ضربا شديدا ، وعوقبت أصنافا من العقوبات ، وأنا أنكر ، وعندهم أنّي أتجلّد ، وهم يزيدونني . فاجتمع أهلي ، وكانت لهم شعب « 10 » بأسباب السلطان ، فتكلّموا فيّ واستشهدوا خلقا كثيرا [ 95 ظ ] على سيرتي ، فبعد شدائد ألوان ، أعفيت من القتل ، ونقلت [ 74 ر ] إلى المطبق وثقلت بهذا الحديد ، وتركت على هذه الصورة ، منذ ستّ عشرة سنة [ 98 م ] . قال : فاستعظمت محنته ، وبهتّ من حديثه ، فقال : ما لك ، واللّه ما آيس مع هذا من فضل اللّه عزّ وجلّ ، فإنّ من ساعة إلى ساعة فرجا . قال : فو اللّه ، ما خرج كلامه « 11 » من فيه ، حتّى ارتفعت ضجّة عظيمة ، وكسر الحبس ، ووصلت العامّة إلى المطبق [ 128 غ ] ومطاميره « 11 » وأخرجوا كلّ من هناك ، وخرج الرّجل في جملتهم . وانصرفت وأنا أريد منزلي ، وإذا نازوك قد قتل ، والفتنة قد ثارت « 12 » ، وفرّج اللّه عن الرّجل ، وعن جميع أهل الحبوس .
--> ( 9 ) المشعل : راجع حاشية القصّة 17 من هذا الكتاب . ( 10 ) كذا ورد في م وغ ، والمراد بها : الصلة ، يقال : شعب إلى القوم : نزع إليهم . ( 11 ) المطمورة : حفيرة تتّخذ في باطن الأرض ، ضيّقة الفوهة ، واسعة الأسفل ، كانت تتّخذ لحفظ الحبوب ، ثم اتّخذ ما يشبهها على شكل حجر مظلمة تحت الأرض ، يوصل إليها دهليز مظلم لا ينفذ إليه النور . ( 12 ) كان ذلك في السنة 317 ، راجع تجارب الأمم 1 / 196 .